هو دا اللي عندي يا محمد أمك مش هتعيش معانا

لمحة نيوز

هو دا اللي عندي يا محمد... أمك مش هتعيش معانا، ومش هتاكل من أكل ولادي. أنا قرفت منها خلاص، قرفت من وجودها، من نظرتها اللي بتحسسني إني دخيلة، من صوتها اللي بيخنقني كل ما يرن في البيت.

ما لحقتش أكمّل الجملة، غير والقلم نزل على وشي، ومحمد بيصرخ، صوته بيكسر الحيطان:
إنتِ ناقصة تربية! أمي هتعيش معانا غصب عنك، أنا مش هرمي الست اللي ربتني وتعبت فيا سنين عشان واحدة ناسية أصلها!

صرخت وأنا مش شايفة قدامي، كأن الغضب غطّى عيني، كأن الدنيا كلها بقت سودة:
بقولك إيه يا بابا، إنت وامك بره بيتي! مش ناقصة الزبالة تيجي تعيش معايا وتسرق مني كل حاجة!

المرة دي سحبني من شعري، ووشه كله غضب، بس مش غضب عادي... غضب فيه ، فيه كسر، فيه سؤال: إنتِ كنتي فين وأنا ببني لك حياة؟
دا إنتِ اللي بره يا بت! أنا عملتلك

مستوى وعيشتك في عيشة ما كنتيش تحلمي بيها، وفي الآخر تقولي الكلام دا عن أمي؟!

علي صوتنا، دخلت أمه وهي بتترجّاه، صوتها بيتهز من الخوف، بس فيه حنية، فيه أمومة:
حرام عليك يا بني، سيبها، دي مراتك وأم عيالك...

سحبت نفسي من بين إيديه، وجريت على أمه، وضربتها... ومحمد جري شالني عنها بالعافية، وأنا كنت زي المجنونة، بصرخ:
لا! مش هتاخد مني كل حاجة! مش هتقعد معانا! مش هتعيش حياتي!

عيني وقعت على السكينة...
ومن غير تفكير، ومن غير وعي، ومن غير قلب

مفوقتش غير وإيدي كلها دم، ومحمد واقف مصدوم، بيصرخ، مش مصدق اللي حصل.
دقايق والدنيا اتلمت، وأنا تايهة، مش فاهمة حاجة...
لقيت نفسي في عربية الشرطة، وسمعت إن أمه ماتت.

كل دا وأنا مش عارفه ازاي وصلت لي لحد ما
محمد جالي أول ما اتحكم عليا بالإعدام،
وقاللي بصوت مكسور بس ثابت، كأنه بيحاول يثبت نفسه قدام انهياره:

حق أمي القانون أخده، ولسه ربنا... ماشيّة تعلمي الناس الإجرام لما تكون واحدة شبهك المفروض مش تعيش وسطنا والغلط علي أنا ضيعتي مني أغلي ما أملك بس هي في مكان أحسن وهناك حقها هيتاخد!

بصيت له بوجع، وقلت:
أنا اللي بدأت، وأنا اللي استحق العقاب.
مكنش فيها حاجة لو قعدتها معانا، بس الغرور خدني، وخلاني أفتكر إني ملكت كل حاجة، ومحدش ينفع يشاركني فيها، حتى لو الست اللي ربيتك وتعبت فيك.

..بنتي دلوقتي هي اللي هتوقّع على وجع حد تاني...
ويمكن الوجع اللي أنا زرعته، هو اللي بيرجعلي أضعاف.

كل يوم في الزنزانة كان بيعدّي عليا زي سنة.
كل لحظة كنت بفتكر وش محمد، وهو واقف قدامي، مش بيبكي... بس عينيه كانت 
كنت بستنى الزيارة، مش عشان
حد ييجي، بس عشان أسمع صوت خطواتهم، يمكن بنتي تيجي، يمكن تسأل عني، يمكن تسامحني، بس ازاي هتسامحني هي وابني وأنا بقيت في نظرهم القاتلة.


بس هي ما جتش.
ولا مرة.
وكل اللي جالي كان ورقة من المحامي، بيقول إن محمد خد حضانة البنت، وإنها دلوقتي في مدرسة داخلية، بعيد عن كل حاجة كانت تربطها بيا وابني الصغير اكيد هجيب لي حد يهتم بي.

كنت ببص للحيطة، وأقول لنفسي:
أنا اللي بنيت السجن ده بإيدي، وأنا اللي حبست فيه كل اللي بحبهم.

في جلسة الإعدام الأخيرة، دخلت القاعة، والكل ساكت.
القاضي بيقرأ الحكم، وأنا مش سامعة غير صوت قلبي، بيعدّ دقاته الأخيرة.
كل كلمة كانت بتتقال، كنت بحسها بتتكتب على جلدي، مش على الورق.
إعدام شنقًا حتى الموت...
بس أنا كنت ميتة من زمان.

محمد كان واقف، ماسك صورة أمه،
وبنتي جنبه، بس مش باصة ناحيتي.

كبرت... وشبهه.
بس عينيها فيها حاجة مني، حاجة كنت أتمنى ما تورثهاش... الغضب، الغرور، الوحدة.

تم نسخ الرابط