هو دا اللي عندي يا محمد أمك مش هتعيش معانا
وقفت، وطلبت أتكلم.
القاضي سمحلي، والكل بص لي، كأنهم مستنيين يسمعوا صوت القاتلة لأول مرة.
قلت بصوت هادي، بس كل كلمة كانت خارجة من جرح:
أنا مش جاية أبرر، ولا أطلب رحمة.
أنا جاية أقول إني كنت غلطانة من أول لحظة صدقت فيها إن الحب امتلاك، وإن الغيرة حق، وإن الغضب قوة.
أنا جاية أقول إني قتلت قبل ما أقتل... قتلت الثقة، والود، والرحمة، وكل حاجة كانت ممكن تنقذني.
أنا جاية أقول لمحمد...
أنا آسفة. مش عشانك،
عشانها ما تعيشش بنفس الوجع، ما تكملش نفس الطريق، ما تبقاش نسخة مني.
بصيت لبنتي، وهي واقفة جنبه، وشفت في عينيها سؤال:
ليه؟
كملت وأنا ببص لها:
لو يوم ما كبرتي، وسمعتي حكايتي، ما تكرهيش نفسك.
أنا اللي غلطت، مش إنتِ.
أنا اللي اخترت، وإنتِ اللي اتولدتِ في النص.
سامحيني... مش عشان أنا أستاهل، بس عشان إنتِ تستاهلي تعيشي من غير كره، ومن غير خوف، ومن غير ظلّي.
سكتّ،
حتى القاضي ما قدرش يرد.
بس محمد شد بنتي من إيدها، وخرج بيها من القاعة...
من غير كلمة، من غير نظرة، من غير وداع.
وأنا؟
أنا مشيت في طريقي الأخير، بس مش خايفة.
لأني عرفت إن الموت مش نهاية...
النهاية الحقيقية كانت أول ما نسيت أكون إنسانة.
خطوتي كانت تقيلة، بس قلبي خفيف...
كأني سلّمت كل اللي كنت شايلة، وسبته ورايا.
في الممر الضيق المؤدي للموت، حسّيت لأول مرة إني شايفة
شايفة البنت اللي كنتها، والست اللي بقيتها، والإنسانة اللي ضيّعتها.
وصلت لباب الغرفة الأخيرة.
الضابط سألني:
عايزة تقولي حاجة قبل التنفيذ؟
سكتّ شوية...
وبعدين قلت:
قولوا لبنتي...
إنها مش لازم تشبهني.
مش لازم تشيل غضبي، ولا تكمل حكايتي.
قولوا لها إنها تقدر تبدأ من جديد، حتى لو أنا انتهيت.
دخلت الغرفة، والنور كان أبيض قوي...
بس جوايا، كان فيه نور تاني، هادي، بسيط،
زي لمعة غفران
مش من الناس،
من نفسي.
ولما اتقفلت الباب،
ما كنتش بفكر في الموت...
كنت بفكر في بنتي،
وإنها يمكن، يوم ما،
تقرأ كلماتي،
وتسامحني.