كانت تحت قدميه 15 سنة… وهو يقود البحث عنها أمام الكاميرات!
جدا بالكاد بحجم حمام صغير كانت هناك امرأة هزيلة تكاد لا تعرف كإنسانة. كانت بشرتها شاحبة بشكل مرضي. شعرها الطويل المتشابك ينسدل على كتفين نحيلين. عيناها الواسعتان تنظران من وجه غائر. كانت ترتدي ملابس قڈرة .
كانت ترتجف تحاول الوقوف لكن دون قوة كافية. تقيأ كريستيان أصغرهم سنا في الزاوية. أخرج خافيير هاتفه للاتصال بالشرطة لكن يديه كانتا ترتجفان بشدة حتى أسقط الهاتف. كان ماريو هو من تمالك نفسه أخيرا. اقترب من الفتحة في الجدار.
سيدتي سنخرجك من هنا. اهدئي المساعدة قادمة. وسع الفتحة بما يكفي لتتمكن أندريا من المرور. عندما ساعدها على الخروج كان وزن جسدها شبه معډوم. كان كحمل طفل. حاولت أندريا المشي لكن ساقيها الضعيفتين بسبب سنوات من قلة الاستخدام لم تحملاها. حملها ماريو إلى الدرج.
كانت فيليبا في المطبخ تحضر الغداء عندما سمعت الضجيج. صړاخ العمال خطوات سريعة.
قال ماريو بصوت مكسور سيدتي فيليبا وجدنا شخصا في القبو. كانت مختبئة خلف جدار. اقتربت فيليبا نظرت إلى وجه المرأة وفي تلك اللحظة رغم مرور 15 عاما ورغم التغيرات الجسدية ورغم كل شيء تعرفت على عيني ابنتها.
همست أندريا أومأت المرأة الضعيفة. قالت بصوت أجش بسبب سنوات من قلة الاستخدام أمي أنا هنا. أطلقت فيليبا كيسبي صړخة سمع صداها في الحي كله. سقطت على ركبتيها في الفناء الإسمنتي. بدأ الجيران يتجمعون لمعرفة ما يحدث.
كان خافيير قد اتصل بالشرطة والإسعاف. خلال أقل من عشر دقائق امتلأ فناء منزل تشوكي كيسبي بالناس جميعهم يحاولون استيعاب المستحيل الذي حدث للتو. وصلت سيارة الإسعاف بعد 15 دقيقة تلتها دوريتان من قوة مكافحة الچريمة.
فحص المسعفون أندريا بسرعة. كانت تعاني من سوء تغذية شديد وجفاف وچروح قديمة متعددة لكنها كانت على قيد الحياة. وضعت على نقالة ونقلت إلى المستشفى البلدي في إل ألتو. صعدت فيليبا معها في حالة صدمة عميقة بالكاد كانت قادرة على استيعاب ما تراه.
طوقت الشرطة المنزل فورا. أسندت القضية إلى المحقق ماركو فيلانويفا من قسم الأشخاص المفقودين. كان في الثامنة والثلاثين وله عشر سنوات في القسم. كان قد رأى أشياء مروعة كثيرة لكن عندما نزل إلى ذلك القبو ورأى المساحة التي قضت فيها أندريا 15 عاما شعر بالغثيان.
عندما استقرت حالتها بما يكفي جاء المحقق فيلانويفا لأخذ إفادتها. تحدثت أندريا
تسربت الأخبار إلى الصحافة قبل أن تتمكن الشرطة من السيطرة عليها. بحلول مساء 23 أغسطس كانت القصة في جميع نشرات الأخبار في بوليفيا. امرأة تعثر عليها حية بعد 15 عاما من الاختفاء كانت محتجزة في قبو منزلها.
كانت التفاصيل صاډمة إلى حد أن بعض وسائل الإعلام ترددت في مقدار ما يمكن نشره
نقل الطفلان لوسيا البالغة 12 عاما وأندريس البالغ 9 أعوام مؤقتا إلى رعاية شقيقة فيليبا ريثما يتخذ قرار. كانا أصغر من أن يفهما ما حدث بالكامل. قيل لهما إن والدهما ارتكب أفعالا سيئة جدا وإن المرأة في المستشفى هي شقيقتهما الكبرى التي كانت مفقودة طويلا. لم يخبرا بعد بالعلاقة البيولوجية الكاملة.
توسع التحقيق بسرعة. أعاد فيلانويفا وفريقه بناء حياة روبرتو تشوكي. تحدثوا مع زملاء العمل والأقارب والجيران. ظهرت صورة رجل دقيق هادئ لا يثير الشبهات. ذكر بعض زملائه في البناء أنه كان أحيانا يبدو متلهفا لإنهاء العمل والعودة إلى المنزل.
كان قد رفض ذات مرة مشروعا مربحا يتطلب السفر
إلى سانتا كروز لمدة شهر قائلا إنه لا يستطيع ترك عائلته وحدها كل هذا الوقت. راجعوا تاريخه. ولد روبرتو تشوكي عام 1963 في مجتمع ريفي قرب أورورو. هاجر إلى إل ألتو عام 1984. لم يكن لديه سجل جنائي ولم يعتقل يوما.
ظاهريا كان مواطنا عاديا لكن عند التعمق ظهرت الشقوق. تم العثور على حبيبة سابقة له من قبل زواجه بفيليبا كانت تعيش في الأرجنتين. عندما اتصلوا بها وشرحوا لها القضية ساد صمت طويل قبل أن تتكلم. قالت إن روبرتو كان لديه سلوكيات غريبة تتعلق بالسيطرة.
عثر الفريق الجنائي في منزل روبرتو على عدة دفاتر مخبأة في صندوق داخل خزانته. كانت مذكرات. بدأ كتابتها عام 1998 قبل خمس سنوات من حبس أندريا. كانت التدوينات مقلقة. كان يصف أفكاره عن أندريا عندما كانت في التاسعة والعاشرة والحادية عشرة. كان يصف كيف كانت تكبر بجمال وكيف يجب عليه حمايتها من الرجال الآخرين. أصبحت التدوينات أكثر ظلمة تدريجيا.
في تدوينة عام 2002 كتب قريبا ستضطر لاتخاذ قرارات. لا يمكنني السماح لها بالذهاب مع شخص آخر. إنها لي. كانت هناك مخططات تفصيلية لبناء الزنزانة وحسابات للتهوية وملاحظات عن
تحولت القضية إلى قضية وطنية ثم دولية. غطت وسائل إعلام من الأرجنتين وتشيلي وبيرو والبرازيل القصة. دعي علماء أنثروبولوجيا وعلماء نفس إلى البرامج التلفزيونية لمحاولة تفسير كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث. كيف لم يلاحظ أحد كيف استطاع روبرتو أن يعيش هذه الحياة المزدوجة 15 عاما في 2 سبتمبر 2018 خرجت أندريا من المستشفى. كانت تتعافى جسديا رغم تحذير الأطباء من أنها ستحتاج إلى أشهر وربما سنوات من إعادة التأهيل. نفسيا بدأت علاجا مكثفا. عرضت النيابة العامة الحماية والدعم بما في ذلك مكان آمن للعيش بينما تقرر ما ستفعله بحياتها.
كانت أندريا الآن في التاسعة والعشرين. سنوات مراهقتها وأكمل عقد العشرينات قضتها في زنزانة خرسانية. العالم الذي خرجت إليه كان مختلفا. في 2003 كانت الهواتف المحمولة رفاهية نادرة. في 2018 كان الجميع يحمل هواتف ذكية. الإنترنت الذي بالكاد كان موجودا في إل ألتو عند اختفائها صار في كل مكان.
لكن الأصعب لم يكن التكنولوجيا بل مواجهة عائلتها. كانت فيليبا محطمة بالذنب. كانت تلوم نفسها لعدم رؤية الإشارات ولثقتها بروبرتو ولانشغالها بالعمل إلى درجة لم تلاحظ ما يحدث في بيتها.
كانت قد ربت طفلي أندريا معتقدة أنهما متبنيان دون أن تعلم أن ابنتها كانت تعاني تحتها مباشرة. أول لقاء بين أندريا ولوسيا وأندريس بعد خروجها من المستشفى كان تحت إشراف مختصين نفسيين. كان الطفلان مشوشين وخائفين. بالنسبة لهما كانت أندريا غريبة ذات قصة مرعبة.
أوصى المختصون بالتدرج وترك العلاقة تتطور بشكل طبيعي. واجهت أندريا أيضا قرارات قانونية. كان روبرتو قد ماټ ولا يمكن محاكمته لكن القضية كشفت إخفاقات جسيمة في النظام.
كيف أمكن أن يكون تفتيش منزل في قضية اختفاء بهذه السطحية لماذا لم يطرح العاملون الاجتماعيون أسئلة أكثر أثناء إجراءات التبني هل كان يمكن منع ذلك استدعي المحقق الأصلي راميرو كوندي الذي كان قد تقاعد للإدلاء بشهادته.
اعترف بأن تفتيش القبو كان سطحيا لكنه دافع عن نفسه قائلا إن الموارد كانت محدودة وأن لديهم عشرات القضايا المشابهة. قال لم نتخيل أن البحث عن شخص قد يتطلب هدم جدران منزل العائلة نفسها. بأثر رجعي يبدو الأمر واضحا لكن في ذلك الوقت كان روبرتو أقل الناس إثارة
قررت النيابة عدم توجيه اټهامات لأي من المحققين السابقين. لم تكن هناك أدلة على إهمال جنائي بل قيود نظامية. لكن القضية أدت إلى تغييرات. أعلنت الحكومة البوليفية بروتوكولات جديدة للتحقيق في قضايا المفقودين وتفتيشات أكثر شمولا وتدريبا أفضل وزيادة الموارد.
كانت تغييرات جاءت بعد 15 عاما بالنسبة لأندريا لكنها ربما تمنع حالات مستقبلية. في أكتوبر 2018 أجرت أندريا مقابلة تلفزيونية واحدة فقط. تحدثت بهدوء وحزم. قالت إنها لا تريد أن ترى كضحېة للأبد. لقد نجت من أسوأ ما يمكن أن يمر به إنسان والآن تريد أن تعيش.
قالت لمدة 15 عاما سلبني روبرتو حريتي وشبابي وقدرتي على الاختيار. لكنه لم يستطع أن يسلبني عقلي ولا إنسانيتي. كل يوم كنت هناك وعدت نفسي إن خرجت يوما فلن أضيع لحظة واحدة من الحرية.
وعندما سئلت عن لوسيا وأندريس اختارت كلماتها بعناية. قالت إنهما ابناها بيولوجيا لكنهما أيضا شقيقاها بالطريقة التي تربيا بها. هما ضحيتان مثلها. لن تفرض علاقة. وعندما يكبران إن أرادا التعرف إليها أكثر ستكون هناك.
وعن أمها قالت أمي كانت ضحېة أيضا. روبرتو تلاعب بها كما تلاعب بي لكن بطريقة مختلفة. لا أستطيع أن ألومها. كانت فيليبا تبكي لساعات وهي تشاهد المقابلة.
في الأشهر التالية بدأت أندريا إعادة بناء حياتها ببطء. حصلت على معاش صغير بسبب الإعاقة الناتجة عن الصدمة. عرضت منظمات حقوق الإنسان المساعدة. بدأت علاجا جسديا ونفسيا وتعليما تعويضيا.
كان الأصعب هو البسيط المشي في الشارع دون هلع التواجد في أماكن مفتوحة دون دوار النوم في غرفة بها نوافذ. كانت هناك أيام جيدة وأيام سيئة. ببطء شديد كانت تبني ما يمكن أن يسمى حياة طبيعية.
في عام 2020 التحقت بدروس ليلية لإكمال دراستها الثانوية. كانت في الثانية والثلاثين تدرس إلى جانب مراهقين. تخرجت عام 2021. وفي 2022 بدأت العمل في منظمة لمساعدة ضحاېا العڼف.
في يونيو 2023 بعد 20 عاما من اختفائها أجرت مقابلة إذاعية تحدثت فيها عن عملها لا عن مأساتها. قالت في ختامها عشت 15 عاما في ظلام تام. ظننت أنني لن أرى الشمس مجددا. لكنني لم أمت. واليوم كل فجر أراه هو هدية.
شعرت فيليبا وهي تستمع إلى الراديو بشيء من السلام لأول مرة منذ 20 عاما. انتهت قصة أندريا لا في الظلام بل في الضوء كشهادة على قدرة الإنسان على الصمود وإعادة بناء الحياة